الأحد، 11 يونيو 2017

حكم قول: (خذ بالأسباب وكأنها كل شيء وتوكل على الله وكأنها لا شيء)

الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
أما بعد،

فقد ساق بعضهم كلاما لأحد القصاص الجهال: (خذ بالأسباب وكأنها كل شيء وتوكل على الله وكأنها لا شيء)

وهذا الكلامُ خلاف الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، قال تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}، وقال تعالى: {وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة}،
فأثبتَ سبحانه وتعالى الأسباب وعدم مخالفتها لأمره سبحانه وتعالى  بالتوكل؛
وقد تواترت الأدلة بذلك فمنه قوله سبحانه: {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا }، وقوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت}، وقوله تعالى: {فاتخذه وكيلا }.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"ومما ينبغي أن يُعلم: ما قاله طائفة من العلماء. قالوا: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. وإنما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع." (مجموع الفتاوى ٨ /١٦٩).

وفي الحديث الصحيح مرفوعا:
"أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يترك ناقته وقال: أأعقلها وأتوكل؟
أو أطلقها وأتوكل؟
فقال صلى الله عليه وسلم: اعقلها، وتوكل."

لهذا :
فلا بّد -كما قيل- أن يطير بجناحين في أمور دنياه:

١. جناح التوكل على الله  كما في الآيات السابقة، ومن ذلك ما وردَ في السنة: ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم:
"لو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا."

٢. وجناح الأخذ بالأسباب المباحة شرعا كما في الآيات القرآنية ومنها قوله تعالى: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}.
فالتوكل على الله عبادة، وصرفها لغير الله شرك.
كما أن الاسباب تركها خلاف العقل كما هو مُشاهد، بل قدحٌ في العقل وكماله وسبب لنظر عقلاء الخلق إليه بعين السخط.
وانظر بارك الله فيك:
الهداية من الله وتوفيقه إلى الإسلام والسنة هي من هذا القبيل؛ فقد جعل الله -سبحانه وتعالى- له مشيئة ولعباده مشيئة {وماتشاؤن الا ان يشاء الله}.
فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق وقدر ما يكون عليهم من سعادة وشقاء، ومع هذا أرسل الرسل وأنزل الكتب وأظهرَ المعجزات وأبانها فتبين أن الله جعل لخلقه مشيئة وجعل لهم عقولا وأسماعا وأبصارا تؤهلهم لمعرفة الحق من الباطل والخير من الشر، فأبت بعضها هدى الله ودينه؛
وهذا مقتضى مشيئة الله
فيهدي ويوفق ويسعد  فضلا ورحمة،
ويُضل ويشقي عدلا وحكمة قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَة وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيهمْ مَشْكُورًا}
وانظر لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق على صحته من رواية الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما:
"من يرد الله به خيرا يفقه في الدين."
فانظر اجتماع إرادة الله سبحانه وتعالى الشرعية الدينية مع عمل العبد وهو الفقه في الدين فدلّ على أمر الله -سبحانه وتعالى- وإرادته هو الأخذ بالأسباب الشرعية إلى الخيرية وأخصُّها التفقه في الدين وسبب ذلك أن الفقه هو الفهم والعلم بما يجب لله من حقوق  وما يمتنع عنه من أفعال تخل بهذه الحقوق وبيان عباده أهل طاعته من أحوال وصفات وجزاء وفاقا وبيان عباده أهل معصيته وتجليته لهم وأسباب نيلهم سخط الله و عقابه، ثم بيان الدار الآخرة واجتماع الخلق للعرض على ربنا عز وجل...

لهذا ترك التوكل شرك إما أصغر أو أكبر على حسب معتقده، ولايترك التوكل بأي حال من الأحوال كما زعم صاحب العبارة السابقة.

وترك الأسباب:
مخالفة للشرع والذي حث عليها في الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة فمن ذلك قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة."
وقبل ذلك ماورد في السنة من قوله صلى عليه وسلم:
"لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه، أو منعوه."
كما ترك العمل وتعطيله سبب لسقوطه من أعين الناس، فقد ورد عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال :
"إنِّي لأرى الرَّجل فيعجبني، فأقول: له حِرفة؟ فإن قالوا: لا، سَقَطَ من عيني.".

والعمل هو سنة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام:
فنبي الله نوح عليه السلام كان نجارا،
وداود عليه السلام كان حدادا،
ورسولنا صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويقوم بمهنة أهله وكان راعيا للغنم،
بل إن هذه الحرفة -وهي رعي الغنم- ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من نبي إلا وقد رعى الغنم."

والله أعلم،
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين.

كتبه: غازي بن عوض العرماني

الخميس، 1 يونيو 2017

تبصير الأنام بأن المعذبين في القبر ثلاثة أقسام (فيه رد على من جعلهم قسمين)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول  الله، وعلى أهله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عذاب القبر على قسمين؛ وقالوا: ((العذاب في القبر نوعان:
عذاب أمدي، فترة ثم ينقطع، وهو عذاب عصاة الموحدين أو بعض غيرهم.
عذاب أمدي لا ينقطع، وهو عذاب الكفار أو طائفة من الكفار؛ لأن الله –جل وعلا- قال في وصف آل فرعون: }النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ{ فبين أنهم قبل قيام الساعة يعرضون على النار غدوا وعشيا، وهذا يكون في قبورهم)) اهـ.
بقي صنف من الناس يتعرضون للعذاب في البرزخ – القبر - لم يذكروهم، وهم من عصاة الموحدين الذين عذابهم عذاب أمدي سرمدي - لا ينقطع إلى قيام الساعة -.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله كما في ((فيض القدير)): ((ثم عذاب القبر قسمان: دائم وهو عذاب الكفار وبعض العصاة ومنقطع وهو عذاب من خفت جرائمه)) اهـ.
والدليل هو ما أخرجه الإمام البخاري –رحمه الله- في ((صحيحه)) قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ:
كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
فَقَالَ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا.
قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ.
فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟
قُلْنَا: لَا.
قَالَ: لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: عَنْ مُوسَى إِنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ الْكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ.
قُلْتُ: مَا هَذَا.
قَالَا: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ.
قُلْتُ: مَنْ هَذَا.
قَالَا: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا إِلَى ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا.
قَالَا: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ؛ قَالَ يَزِيدُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ: وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ.
فَقُلْتُ: مَا هَذَا قَالَا انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنْ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ.
قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ.
قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ يُفْعَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمْ الزُّنَاةُ وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُوا الرِّبَا.
وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ.
وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ.
وَالدَّارُ الْأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ.
وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ فَارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ.
قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ.
قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي.
قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ)) انتهى.
فالرجل الذي علمه الله القرآن ونام عنه ولم يعمل به في الظاهر أنه مسلم، وجاء في الحديث أنه يشدخ رأسه إلى يوم القيامة فهو في عذاب مادام في قبره.
كما أن هناك أدلة أخرى ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله كما في ((الروح)): ((المسألة الرابعة عشرة وهي قوله عذاب القبر دائم أم منقطع جوابها:
أنه نوعان نوع دائم ... ويدل عليه أيضا ما تقدم في حديث سمرة الذي رواه البخاري في رؤيا النبي وفيه فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة.
وفي حديث ابن عباس في قصة الجريدتين لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا فجعل التخفيف مقيدا برطوبتهما فقط.
وفي حديث الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء و قد تقدم وفي الصحيح في قصة الذي لبس بردين وجعل يمشي يتبختر فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
وفي حديث البراء بن عازب في قصة الكافر ثم يفتح له باب إلى النار فينظر إلى مقعده فيها حتى تقوم الساعة رواه الإمام أحمد وفي بعض طرقه ثم يخرق له خرقا إلى النار فيأتيه من غمها ودخانها إلى القيامة.
النوع الثاني: إلى مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم فيعذب بحسب جرمه ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب.
وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء أو صدقة أو استغفار أو ثواب حج أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم)) اهـ.
وسئل العلامة ابن عثيمين رحمه الله كما في ((مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين)) (2/30): هل عذاب القبر دائم أو منقطع ؟
فأجاب بقوله : أما إن كان الإنسان كافرا - والعياذ بالله - فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبدا ، ويكون عذابه مستمرا .
وأما إن كان عاصيا وهو مؤمن ، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه ، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة ، وحينئذٍ يكون منقطعا .
وسئل رحمه الله كما في ((مجموع فتاوى ورسائله)) - (2/31): هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي ؟
فأجاب قائلا: نعم، قد يخفف؛ لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير؛ أما أحدهما: فكان لا يستبرئ "، أو قال: "لا يستتر من البول، وأما الآخر: فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا»، وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب)) اهـ.
وفي كلامه السابق إشارة بقوله: قد يخفف العذاب، وله كلام صرح فيه فقال رحمه الله كما في ((مجموع فتاوى ورسائله)) - (8/487): ((أما عصاة المؤمنين الذين يقضي الله تعالى عليهم بالعذاب؛ فهؤلاء قد يدوم عذابهم وقد لا يدوم، وقد يطول وقد لا يطول؛ حسب الذنوب، وحسب عفو الله عز وجل)) اهـ.
هذا ما أحببت بيانه لأن هناك من ينكر أن يكون الموحد العاصي يستمر به العذاب في البرزخ – عذاب القبر – إلى يوم القيامة.
هذا والله أعلم وبالله التوفيق وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. 
                                                         كتبه 
                                         عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
                                   طرابلس الغرب: يوم الخميس 6 رمضان سنة 1438 هـ
                                         الموافق لـ: 1 يونيو سنة 2017 ف

حفظ الوقت للأخ الفاضل عز الدين أبو زخار الليبي حفظه الله تعالى

أين نحن من هؤلاء الكبار
وصدق أبا عمرو بن العلاء حين قال: (ما نحن فيمن مضى إلا كبَقل في أصول نخل طوال).
تنبه الأغمار على اهتمام الأخيار بوقت الأكل أن يضيع من الأعمار
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي ما أقسم بالأوقات الفجر والضحى والعصر والليل إلا لبيان أهمية الزمن، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: ((اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك))، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فالذي ينظر في سير الصالحين وأهل العلم والدين، يلحظ من مميزاتهم حرصهم على أوقاتهم، فتنوعات عبارتهم في الحث على أغنام الأوقات في الأعمال الصالحات، وكذلك التحذير من قتل الوقت وإضاعة الزمان.
قال الوزير ابن هبيرة رحمه الله:
والوقت أنفس ما عُنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيعُ
ولهذا تجد كثيرا من العاطلين يضيعون أوقاتهم في فضول النوم والأكل والشرب وغير ذلك.
وكان بعض السلف شحيحا بوقته يحاسب نفسه على الدقائق بل يحاسبها على الثواني التي يقضيها في الأكل، وكان منهم من يغتم على هذا الوقت اليسير الذي يقضه في الأكل، والبعض يبتكر طرقا لتقليل هذا الوقت الذي يهدره في طعامه.
فما كان الأكل من الضروريات كان الوقت المهدر فيه معفو عنه، وما زاد كان من إضاعة الوقت.
قال الإمام النووي رحمه الله في ((المجموع)): ((وينبغي أن يكون حريصا على التعلم، مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، ولا يذهب من أوقاته شيئا في غير العلم، إلا بقدر الضرورة، لأكل ونوم قدرا لا بد منه، ونحوهما كاستراحة يسيرة لإزالة الملل، وشبه ذلك من الضروريات)).
ولهذا كانت الوصية بسرعة الأكل.
قال السيوطي رحمه الله كما في ((شذرات الذهب)):
حدثنا شيخنا الكناني *** عن أبه صاحب الخطابة
أسرع أخا العلم في ثلاثٍ *** الأكل والمشي والكتابة
وحول الحرص على وقت حتى في الأكل أحببت أن أجمع ما وقفت عليه من سير العلماء والأخيار الذين سطر لنا التاريخ شيئا من حرصهم على أوقاتهم حتى فيما يحتاجونه من أكل وشرب، لعل في هذا ذكرى، وشحذا للهمم.
أخرج أبو نعيم الأصفهاني في ((حلية الأولياء وطبقات الأصفياء)) عن عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: (اللهم اجعل أحب ساعات الدنيا إلينا ساعات ذكرك وعبادتك، واجعل أبغض ساعاتها إلينا ساعات أكلنا وشربنا ونومنا).
قال الحسن بن الحسين الدارستيني رحمه الله كما في ((سير أعلام النبلاء)): ((سمعت أبا حاتم، يقول: قال لي أبو زرعة: ما رأيت أحرص على طلب الحديث منك.
فقلت له: إن عبد الرحمن ابني لحريص.
فقال: (من أشبه أباه فما ظلم.
قال الرمام: فسألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له، وسؤالاته لأبيه.
فقال: ربما كان يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه، ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه)).
أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق) عن أبي الحسن علي بن احمد الخوارزمي بالري يقول: عبد الرحمن بن أبي حاتم إمام ابن إمام قد ربي بين إمامين أبي حاتم وأبي زرعة إمامي هدى قال وسمعت عبد الرحمن يوما يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم.
وقال: كنا بمصر سبع أشهر فلم نأكل فيها مرقة وذلك أنا كنا نغدو بالغدوات إلى مجلس بعض الشيوخ ووقت الظهر إلى مجلس آخر ووقت العصر إلى مجلس آخر ثم بالليل للنسخ والمعارضة فلم نتفرغ نصلح شيئا، وكان معي رفيق خراساني أسمع في كتابه وسمع في كتابي فما أكتب لا يكتب وما يكتب لا أكتب فغدونا يوما إلى مجلس بعض الشيوخ، فقال: هو عليل فرجعنا فرأينا في طريقنا حوتا يكون بمصر يشق جوفه فيخرج منه أصفر فأعجبنا فلما صرنا إلى المنزل حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فلم يمكننا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام كاد أن يتغير فأكلناه نيئا.
فقيل له: كنتم تعطونه لمن يشويه ويصلحه.
قال: من أين كان لنا فراغ.
وقال ضياء الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي كما في ((بستان العارفين)): سمعت الشيخ عبد العظيم [المنذري] رحمه الله يقول كتبت بيدي تسعين مجلدة وكتبت سبعمائة جزء كل ذلك من علوم الحديث تصنيف غيره وكتب ذلك من مصنفاته وغيرها أشياء كثيرة قال شيخنا ولم أر ولم أسمع أحدا أكثر اجتهادا منه في الاشتغال كان دائم الاشتغال في الليل والنهار وقال وجاورته في المدرسة يعني بالقاهرة حماها الله بيتي فوق بيته اثني عشر سنة فلم استيقظ في ليلة من الليالي في ساعة من ساعات الليل إلا وجدت ضوء السراج في بيته وهو مشتغل بالعلم وحتى كان في حال الأكل والكتاب والكتب عنده يشتغل فيها)).
وقال عثمان الباقلاني رحمه الله كما في ((تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر)): أبغض الأشياء إلى وقت إفطاري لأني أشتغل بالأكل عن الذكر.
وكان داود الطائي رحمه الله كما في ((تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر)) يشرب الفتيت ولا يأكل الخبز.
فقيل له في ذلك.
فقال: بين أكل الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
وذكر ابن عقل رحمه الله في ((فنونه)) كما في ((ذيل طبقات الحنابلة)): ((قال حنبلي - يعني نفسه - : أنا أقصرُ بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبزة لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرًا على مطالعة، أو تسطير فائدة، لم أدركها فيه)).
قال الرشيد بن المعلم كما في ((تذكرة الحفاظ)): عذلت الشيخ محيي الدين [النووي] في عدم دخوله الحمام وتضييق العيش في مأكله وملبسه وأحواله، وخوفته من مرض يعطله عن الاشتغال.
فقال: إن فلانًا صام وعبَد الله حتى اخضر جلده وكان يمنع من أكل الفواكه والخيار ويقول: أخاف أن يرطب جسمي ويجلب النوم، وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة ويشرب شربة واحدة عند السحر)).
وحكى القاضي شمس الدين الخوئي كما في ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) عن الشيخ فخر الدين [الرازي] أنه قال: واللّه أنني أتأسف في الفوات عن الاشتغال بالعلم في وقت الأكل، فإن الوقت والزمان عزيز.
وقال عمار بن رجاء كما في ((سير أعلام النبلاء)): سمعت عبيد بن يعيش، يقول: أقمت ثلاثين سنة، ما أكلت بيدي بالليل.
كانت أختي تلقمني، وأنا أكتب.
وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله يقول كما في ((الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه)) : ثقل الساعات على ساعة آكل فيها .
ويقول أبو المعالي الجويني  كما في ((طبقات الشافعية الكبرى)): أنا لا أنام ولا آكل عادة وإنما أنام إذا غلبني النوم ليلا كان أو نهارا وآكل إذا اشتهيت الطعام أي وقت كان.
وقال سحنون كما في ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)): لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع.
وحكى المالكي كما في ((ترتيب المدارك وتقريب المسالك)) قال: كانت لمحمد بن سحنون، تسعة أسرة. يريد لكل سرير سرية. وكانت له سرية يقال لها أم قدام. فكان عندها يوماً، وقد شغل في تأليف كتاب إلى الليل، فحضر الطعام، فاستأذنته.
فقال لها: أنا مشغول الساعة.
فلما طال عليها، جعلت تلقمه الطعام، حتى أتت عليه. وتمادى هو على ما هو فيه إلى أن أذن لصلاة الصبح.
فقال: شغلنا عنك الليلة يا أم قدام. هات ما عندك.
فقالت قد والله يا سيدي ألقمته لك.
فقال لها: ما شعرت بذلك)).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في ((في ((تهذيب التهذيب)): ((قال الحاكم: سمعت أبا الفضل محمد بن إبراهيم، قال: سمعت أحمد بن سلمة - رفيق مسلم في الرحلة من نيسابور إلى بلخ وإلى البصرة - يقول: عقد لمسلم مجلس المذاكرة، فذكر له حديث فلم يعرفه، فانصرف إلى منزله - وكان الوقت ليلا -، وقدمت له سلة فيها تمر، فكان = يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فنى التمر! ووجد الحديث! زاد غيره: فكان ذلك سبب موته رحمه الله تعالى)).
وكان محمود بن عبد الرحمن الأصبهاني كما قال الإسنوي رحمه الله كما في ((طبقات المفسرين للداوودي)): ((يمتنع كثيراً من الأكل لئلا يحتاج إلى الشرب، فيحتاج إلى دخول الخلاء فيضيع عليه الزمان)).
وأختم بكلام نفس للإمام ابن القيم رحمه الله في ((إغاثة اللهفان)) قال: ((معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس والنظر إلى وجه الرب سبحانه وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى، فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد فإضاعة هذه الأنفاس أو اشتراء صاحبها بها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلا وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن : {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [ آل عمران : 30 ]))
هذا ما تم جمعه، والله أعلم، وبالله التوفيق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
                                                          كتبه 
                                         عزالدين بن سالم بن الصادق أبوزخار
                              طرابلس الغرب: يوم الخميس 16 ربيع الأول سنة 1438 هـ
                                         الموافق لـ: 15 ديسمبر سنة 2016 ف